خيارات صعبة أمام دول الخليج العربية
بعد أن جُرت دول الخليج العربية إلى حرب لم تكن ترغب فيها، فإنها تدفع الآن ثمناً باهظاً، دون أن يكون لها سيطرة تذكر على مسار الأحداث، ولا أمل في نتيجة مستقرة بمجرد انتهاء الحرب
للغة الإنكليزية:
Read in English →
لقد وضعت الحرب الأمريكية-الإسرائيلية الجارية ضد إيران الدول الست التي تشكل مجلس التعاون الخليجي في موقف حرج: فهي لن تنجو من المزيد من الأضرار إذا لم تتحرك في مواجهة الهجمات الإيرانية المستمرة، لكن الرد العسكري ينطوي على مخاطر استدراج انتقام إيراني أشد. وسيكون هذا هو الحال حتى لو كانت أهدافها في إيران عسكرية بحتة، مثل مواقع إطلاق الصواريخ والمسيّرات التي يتم إطلاقها على دول مجلس التعاون الخليجي، أو إذا اتخذت مشاركتها العسكرية شكلاً بديلاً يتمثل في السماح للولايات المتحدة باستخدام مجالها الجوي ومنشآتها بشكل أكبر لشن مهام قتالية ضد إيران. ولهذا السبب اتبعت هذه الدول حتى الآن نهجاً حذراً ومحدوداً: إدانة الأعمال الإيرانية والاحتفاظ بالحق في الرد بقوة أكبر على الأعمال العدائية، دون تنفيذ تحذيراتها فعلياً.
وليس من المؤكد على الإطلاق ما إذا كان من الممكن الحفاظ على هذا التوازن الدقيق والمؤلم، لأنه يتوقف على كيفية قيام الولايات المتحدة وإسرائيل بحملتهما العسكرية ضد إيران، وكيفية رد إيران بعد ذلك. يسعى كلا الطرفين المتحاربين إلى ما يُعرف بـ ”هيمنة التصعيد“: القدرة على تصعيد الصراع إلى نقطة يقبل فيها الخصم التوقف بدلاً من تحمّل تكاليف أعلى. يقول حميد رضا عزيزي إن القيادة الإيرانية استنتجت من حرب الاثني عشر يوماً التي اندلعت في حزيران/يونيو 2025 مع إسرائيل والولايات المتحدة أنه في أي صراع جديد معهما، يجب عليها أن تنتقل فوراً من موقف دفاعي إلى منطق هجومي، وأن تجعل الحرب إقليمية. لكن هذه الاستراتيجية لها حدودها: قد تعتقد القيادة الإيرانية أن لديها عتبة ألم اقتصادي أعلى من خصومها، لكن كما يرى تريتا بارسي، فإنها تدرك أيضًا أنها قد لا تكون قادرة على تصعيد الصراع ضد دول مجلس التعاون الخليجي دون المخاطرة بعلاقاتها المستقبلية معها.
بعبارة أخرى، يمكن للولايات المتحدة وإسرائيل تصعيد هجماتهما على إيران إلى درجة تجبر إيران، من أجل الحفاظ على مصداقية استراتيجيتها الرادعة، على الارتقاء بردها الانتقامي ضد دول مجلس التعاون الخليجي إلى مستوى قد يكون مرتفعاً بما يكفي لإحداث تحول كبير في موقفها. ولا يتطلب مثل هذا التحول بالضرورة القيام بعمل عسكري ضد إيران. بل يمكن أن يتخذ شكل الدعوة الصريحة في محادثات دول مجلس التعاون الخليجي مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وإدارته، إلى تغيير النظام في إيران. ومع ذلك، فإن التقارير التي تفيد بأن المملكة العربية السعودية تمارس بالفعل ضغوطاً لتحقيق هذا الهدف هي على الأرجح تسريبات متعمدة تهدف إلى ثني إيران عن مهاجمة البنية التحتية السعودية، وليس هدفاً سعودياً فعلياً.
ومع ذلك، سيأتي الوقت حتماً الذي تفكر فيه دول مجلس التعاون الخليجي في مشهد ما بعد الحرب في الخليج، وتعيد تقييم موقفها الحالي وفقاً لذلك. يكمن مصلحتها الأكثر إلحاحاً في إنهاء سريع للحرب الجارية، لكن آثارها لن تنتهي عند هذا الحد بالنسبة لها. فالتعايش المستقبلي مع نظام إيراني أظهر استعداده لإلحاق أضرار جسيمة باقتصاداتها هو أمر بعيد كل البعد عن المثالية، خاصة إذا خرج هذا النظام مقتنعاً بأن استراتيجيته العسكرية نجحت في إنهاء الحرب وفق شروطه الخاصة، وليس وفق الشروط التي تسعى إليها إدارة ترامب. وبالفعل، فإن رد إيران على خطة وقف إطلاق النار المكونة من 15 نقطة التي تروج لها الإدارة الأمريكية هو المطالبة بتسوية إقليمية أوسع نطاقاً تشمل تعويضات، وإنهاءً متزامناً للأعمال العدائية في لبنان، والأهم من ذلك بالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي، الاعتراف الرسمي بالسيطرة الإيرانية على مضيق هرمز وفرض «رسوم عبور» محتملة على السفن التي تمر عبره.
من الواضح أن التفكير في المستقبل أمر ضروري لدول مجلس التعاون الخليجي، حتى في ظل استمرار الأعمال العدائية. فهي في موقف يختلف جذرياً عن موقف الإدارة الأمريكية، التي قد تميل إلى «السعي لتحقيق نتيجة عسكرية سريعة وذات ظهور بارز يمكن إعلانها انتصاراً وتسليمها للآخرين لإدارتها»، وفقاً لتقييم SecDev (محللو المخاطر السيبرانية والرقمية). العودة إلى الوضع السابق للحرب ليست خياراً متاحاً لدول مجلس التعاون الخليجي: فقد سعت في السنوات الأخيرة إلى جذب إيران إلى هيكل أمني مشترك لتنظيم الخلافات سلمياً، لكنها ربما خلصت إلى أن هذه المقاربة لم تعد ممكنة. كما لا يمكنها الاعتماد بشكل موثوق على إحياء نهجها السابق المتمثل في المزج بين الدبلوماسية والعلاقات الاقتصادية مع إيران من جهة، وشراء الأسلحة وإقامة علاقة دفاعية وثيقة مع الولايات المتحدة من جهة أخرى. وقد نجح هذا النهج لعقود، لكن الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران واستراتيجية إيران الانتقامية جعلتا العودة إلى الإطار السابق غير ممكنة.
قد تخلص دولة أو أكثر من دول مجلس التعاون الخليجي إلى أن تغيير النظام في إيران ضروري، خاصة إذا بدا أنه لا توجد طريقة موثوقة لـ ”تحصين“ نماذجها الاقتصادية ضد أي هجوم إيراني مستقبلي. لكن هذا يقابله القلق بشأن ما يسميه المحلل الخليجي سلطان العامر ”السيناريو الأسوأ“: الانزلاق إلى حرب أهلية في إيران ”من شأنها أن تهدد كل ما يهمهم من حيث حماية الطاقة، وحماية السياحة، وحماية التنمية الاقتصادية“. علاوة على ذلك، حتى لو تولى نظام مختلف جذرياً الحكم في إيران، فإنه سيسعى إلى تحقيق ما يراه المصالح الوطنية الإيرانية، مما قد يضعه في خلاف مع جيرانه في دول مجلس التعاون الخليجي.
من الناحية المثالية، فإن موقع الخليج باعتباره «مرساة لنظام واسع من الإنتاج والتجارة يشمل مصانع الكيماويات ومجمعات الأسمدة وطرق الشحن وموانئ الحاويات»، كما يصفه آدم هنيه، من شأنه أن يدفع إلى ترتيب جديد جذريًا يؤيد فيه بقية العالم إطارًا اقتصاديًا وأمنيًا يحكم العلاقات عبر الخليج. وفي حالة فشل ذلك، فإن التعرض الدائم لخطر النفوذ الإيراني قد يكون أمرًا غير جذاب على الإطلاق، لكنه لا مفر منه بالنسبة إلى دول مجلس التعاون الخليجي.

