غطرسة إسرائيل القاتلة في لبنان
قد تكون إسرائيل قادرة على إحداث أضرار مادية جسيمة، لكن فكرة أنها تستطيع إعادة تشكيل المجتمع والسياسة اللبنانية هي مجرد غطرسة
للغة الإنكليزية:
Read in English →
ظهر اعتقاد سائد فور إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الحرب على إيران في 28شباط/ فبراير 2026، بأنه لم يكن لديه أهداف حربية واضحة. في المقابل، فإن الهدف الرسمي لحرب إسرائيل على لبنان واضح تماماً: نزع سلاح حزب الله بالكامل. غير أن تفكيك حزب الله تماماً، علماً أنه منظمة عسكرية وحزباً سياسياً ومزوداً مهماً للرعاية الاجتماعية، في وقت واحد، وإجبار الحكومة اللبنانية على إبرام معاهدة سلام مع إسرائيل، ليسا هدفين معلنين للحرب، لكن يبدو أنهما هدفان إسرائيليان.
لكن الأدلة تتزايد على أن إسرائيل توقع نفسها في نفس الفخ الذي وقعت فيه الولايات المتحدة في إيران: فمن ناحية، تدفع خيبة الأمل من التوقعات الأولية بالانتصار الفوري إلى توسيع نطاق الجهود الحربية الإسرائيلية وأهدافها في لبنان، بينما من ناحية أخرى، تزداد مخاطر توسع نطاق المهمة. إن التماثل الاستثنائي بين وجهات النظر السياسية والقوة العسكرية للولايات المتحدة وإسرائيل، وسط انهيار أي مظهر من مظاهر النظام الدولي القائم على القواعد القانونية، قد أزال أي قيود على حرية العمل والطموح الإسرائيليين. ويبدو أن الإغراء بالذهاب إلى ما هو أبعد من هزيمة حزب الله لإعادة رسم النظام السياسي والخريطة الاجتماعية للبنان بالكامل يغري صانعي القرار الإسرائيليين. تسود الغطرسة اليوم—تماماً كما حدث في عام 1982، عندما راود وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك أرييل شارون نفس المخططات الكبرى لإعادة تشكيل لبنان، مما أدى، للمفارقة، إلى ولادة حزب الله.
يؤكد تصعيد إسرائيل لحملتها العسكرية الحالية في لبنان أن أهدافها النهائية أكثر طموحاً من مجرد تعظيم نفوذها ضد الحكومة المركزية اللبنانية لإجبارها على نزع سلاح حزب الله بالقوة. أصدر المسؤولون الإسرائيليون ووسائل الإعلام الحكومية تهديدات جديدة بشن هجمات برية واسعة النطاق، وتدمير البنية التحتية المدنية، وإعلان أن العاصمة اللبنانية بيروت بأكملها «لم تعد تعتبر منطقة آمنة أو بعيدة عن متناول الهجوم» بموجب قواعد اشتباك جديدة تتخلى عن أي محاولة لتجنيب أرواح المدنيين. ويتوقع فيصل عيتاني، المحلل الحاذق، أن تقوم إسرائيل بتشريد عشرات الآلاف من اللبنانيين لإنشاء منطقة عازلة دائمة في الجنوب، مما يحكم على البلاد بحالة حرب دائمة بالنتيجة. وهذا أمر محتمل. أما ما هو أقل احتمالاً للتحقق فهو طموح اليمينيين الإسرائيليين القوميين المتشددين والمتدينين المتطرفين الذين يريدون ضم جنوب لبنان واستيطانه باليهود، لكنه يغذي التكهنات المحمومة مع ذلك.
من الواضح، على أقل تقدير، أن إسرائيل لا تستطيع نزع سلاح «حزب الله» بالكامل بمفردها، ناهيك عن ضمان تفكيكه، دون احتلال مساحات شاسعة من الأراضي اللبنانية تمتد إلى ما هو أبعد من الجنوب، وهي مغامرة قد تكون تكاليفها على المدى الطويل غير محتملة. ومن الضروري من وجهة النظر الاسرائيلية، بالتالي، استدراج جهد تكميلي بقيادة الحكومة والجيش اللبنانيين إذا كان الهدف هو القضاء على حزب الله كمنظمة سياسية وقوة اجتماعية، واستئصاله من جذوره، كما سبق لي أن أوضحت في مقالة أخرى. ولكن نظراً لأن مثل هذا الجهد غير ممكن، سياسياً أو عسكرياً، فإن السؤال حول خيارات إسرائيل وخطتها النهائية في لبنان يطرح نفسه مرة أخرى.
هناك احتمال، مهما كان ضئيلاً، لإيجاد طريقة لإنهاء الحرب. في 9 آذار/مارس 2026، اقترح الرئيس اللبناني جوزيف عون إجراء محادثات سلام مباشرة بين بلاده وإسرائيل، على أمل تجنب التهديدات الإسرائيلية بتوسيع نطاق الحرب بشكل كبير وإنهاء الحملة العسكرية. وعلى الرغم من أن لبنان لا يملك أي نفوذ على الإطلاق، فإن هذا النهج قد يكتسب زخماً – خاصة إذا أيدته إدارة ترامب، وهو أمر يمكن تصوره إذا سعت إلى التوصل إلى اتفاق مع إيران. قد تنظر الولايات المتحدة وحكومات أجنبية أخرى، مثل فرنسا، أيضًا في الجهود المتزايدة التي تبذلها الحكومة اللبنانية للحد من النشاط والقدرات العسكرية لحزب الله كمسار يستحق التطوير. إن إحياء مصر لمقترحها لعام 2015 بإنشاء قوة عربية مشتركة كان موجهاً إلى الدول العربية في الخليج، لكنه يمكن إعادة توجيهه إلى لبنان كجزء من حزمة تدابير أمنية لإنهاء الحرب هناك.
في غضون ذلك، تتكشف الحملة الإسرائيلية بطرق تشير إلى أنها تسعى إلى تدمير القاعدة الاجتماعية لحزب الله، إلى جانب الحزب نفسه. بل ويعتقد بعض اللبنانيين أنها تهدف إلى القضاء على الشيعة كقوة طائفية في السياسة اللبنانية، إن لم يكن القضاء عليهم تماماً كطائفة متماسكة. وعلى الأقل، فإن التدمير المنهجي للممتلكات في المناطق التي يقطنها الشيعة ووسائل عيشهم المستقبلية يشير إلى محاولة لإفقار المجتمع بأسره إلى درجة لا يمكنه التعافي منها لسنوات عديدة قادمة. إن السعي إلى إعادة الهندسة الاجتماعية والسياسية من هذا النوع وبهذا الحجم من خلال القوة الغاشمة يعني حتماً استخدام قوة نارية هائلة وغير متناسبة، مما يؤدي إلى إلحاق الخسائر الفادحة والعشوائية بالسكان المدنيين.
قد تكون إسرائيل قادرة على تحقيق هذه النتائج المادية، لكن فكرة أنها تستطيع إعادة تشكيل المجتمع والسياسة اللبنانية هي مجرد غطرسة. للمقارنة، احتلت الولايات المتحدة دولة بأكملها، وهي العراق، ثم أمضت سنوات، وأنفقت مليارات الدولارات، وخسرت آلاف الأرواح في إعادة تشكيل نظامه السياسي وإعادة توجيه علاقاته واصطفافاته الاجتماعية، ومع ذلك لا تزال الدولة العراقية عاجزة بسبب نظامها السياسي المبني على المحاصصة الطائفية-الأثنية وغير قادرة على توليد اقتصاد لا يعتمد بشكل أساسي على تصدير النفط. سواء دفعت إسرائيل نفسها ثمناً طويل الأمد أم لا، فإن فيصل عيتاني محق تماماً في استنتاجه بأن أي مسار تتخذه إسرائيل من الآن فصاعداً في لبنان، ستكون النتيجة بالنسبة لمواطنيه ومئات الآلاف من اللاجئين الفلسطينيين والسوريين المقيمين فيه، كارثة مطلقة.

