ما الذي كان يفكر فيه حزب الله؟
هذه المرة، تعتزم إسرائيل جني ثمار نجاحها في ساحة المعركة في حرب 2024
للغة الإنكليزية:
Read in English →
لا بد أن قيادة حزب الله كانت تعلم أن أي عمل عسكري تقوم به ضد إسرائيل بعد بدء الحرب الإسرائيلية-الأمريكية المشتركة على إيران سيؤدي إلى رد انتقامي لن يكون محدوداً، بل بعيداً كل البعد عن ذلك. من الواضح أن إسرائيل كانت تتوق بشدة لمهاجمة حزب الله منذ عدة أشهر، إن لم يكن فور دخول وقف إطلاق النار بينهما حيز التنفيذ في تشرين الثاني/نوفمبر 2024. فلماذا إذن يجلب حزب الله على نفسه رداً إسرائيلياً لا يمكن إلا أن يكون مدمراً، بل ومهدداً لوجوده؟
من الممكن بالطبع أن تكون قيادة حزب الله قد تصرفت بناءً على أوامر مباشرة من إيران. فيعتقد البعض أن إيران استولت على صنع قرار الحزب وقيادته العملياتية منذ هزيمته في عام 2024. إذا كان الأمر كذلك، فإن فتح الجبهة اللبنانية ضد إسرائيل سيكون دليل يأس المسؤولين الإيرانيين عن حزب الله. المشكلة الواضحة في هذه الفرضية هي أن كل ما فعله حزب الله هو إطلاق ثمانية صواريخ كاتيوشا وبعض المسيرات نحو حيفا في شمال إسرائيل. ونظراً لسيطرته القيادية على حزب الله ويأسه المفترض، فإن النظام الإيراني كان سيأمر بالتأكيد بشن هجوم افتتاحي أكثر أهمية.
لذلك يبدو أن قرار شن عمل عسكري ضد إسرائيل كان قرار حزب الله. ربما اعتقدت قيادته أنه من خلال شن أكثر الهجمات رمزية، يمكنها تجنب تصعيد كبير في الرد. لكن زيف هذا الافتراض تم إثباته بشكل مرعب في عام 2024. ومن المنطقي أكثر الافتراض أن حزب الله توقع أن إسرائيل ستشن هجومًا في جميع الأحوال، وخلص إلى أنه بدلاً من انتظار هجوم إسرائيلي حتمي، سيكسب أكثر من خلال تقديم الدعم العلني لإيران، خاصة وأن إسرائيل منشغلة بشن حملة بعيدة المدى ضد إيران.
لكن أي ميزة هامشية قد تتخيلها قيادة حزب الله هي ضئيلة للغاية بحيث يمكن تجاهلها. في الواقع، كان التوازن يميل ميلاً شديداً بالاتجاه المعاكس. كان من المتوقع أن يكون الضرر المحتمل على الشعب اللبناني ككل، وعلى الطائفة الشيعية وجمهور حزب الله الأساسي على وجه الخصوص، هائلاً. ربما كان ذلك أقل أهمية في حسابات حزب الله بالمقارنة باعتبارات أخرى، ولكن حتى في هذه الحالة، من الصعب تصديق أن إدراك النتيجة الأكثر احتمالاً للمواجهة—نزع سلاح حزب الله، وبالتالي زواله كحزب سياسي شبه عسكري لبناني—لم يردعه.
ولعل هذا هو السبب في انتشار التكهنات بأن عناصر من قاعدة حزب الله انشقت عن أمينه العام نعيم قاسم او هددت بالخروج عن الطاعة لتشن هجوم صاروخي على إسرائيل. ولذلك، ربما قررت قيادة حزب الله السماح بشن هجوم من أجل منع ظهور الانشقاق الداخلي إلى العلن. إن تورطها في الهجوم، سواء كان ذلك نتيجة لجهودها لاحتواء تحدٍ داخلي أم لا، يوحي به بقوة إصدارها بياناً رسمياً أعلنت فيه مسؤوليتها عن الهجوم على حيفا. وبالمناسبة، لا أريد أن أطلق نظرية مؤامرة، لكن حقيقة أن قيادة حزب الله أعلنت مسؤوليتها عن الهجوم على حيفا تبطل احتمال أن يكون هذا الهجوم عملية خادعة من قبل المخابرات الإسرائيلية تهدف إلى توفير ذريعة لإسرائيل—يصعب تخيل ذريعة أكثر كمالاً—لشن هجوم على لبنان.
على أي حال، من المؤكد أن إسرائيل تسعى الآن إلى أكثر من مجرد تكرار هزيمتها العسكرية الساحقة لحزب الله في عام 2024. فالواقع أنه لم يتبق الكثير لهزيمته: إن استعداد حزب الله لتحمل هجمات اسرائيلية شبه يومية أسفرت عن مقتل حوالي 400 من أعضائه منذ دخول وقف إطلاق النار (من جانب واحد!) حيز التنفيذ في تشرين الثاني/نوفمبر 2024 يسلط الضوء على فقدانه لقدراته العسكرية. علاوة على ذلك، تشير جميع الأدلة إلى أنه لم يتمكن من إعادة تشكيل نفسه، ولا من إعادة بناء الوسائل اللازمة لطرح نفس التهديد الذي كان يشكله قبل عام 2024.
هذه المرة، تعتزم إسرائيل جني ثمار نجاحها في ساحة المعركة في حرب 2024. ومن المنطقي أنها لن تسعى فقط إلى شل قدرة حزب الله كقوة عسكرية عاملة - من خلال نزع سلاحه وتفكيك جميع المرافق ذات الصلة - بل ستسعى أيضاً إلى تدمير أساس وجوده كمنظمة سياسية ومنبع تعبئة حاضنته الاجتماعية. لذلك، على الرغم من أن البيان الصادر عن رئيس الوزراء اللبناني بحظر الأنشطة العسكرية لحزب الله يتصور أن دوره سيقتصر مستقبلاً على ”المجال السياسي“، فمن الصعب الاعتقاد أن هذا يمكن أن يعني أي شيء أقل من حله الفعلي.

