السياسة الفلسطينية الجديدة القابلة للتطبيق تبدأ بالعودة إلى 7 أكتوبر
تتجنب الرواية المحدثة التي قدمتها حماس عن هجومها في 7 أكتوبر السؤال حول أهدافها المحددة، لكن السياسة الفلسطينية تتطلب نقاشاً صادقاً حول هذا الموضوع بالذات.
للغة الإنكليزية:
Read in English →
في 25 كانون الأول/ديسمبر 2025، نشرت حركة المقاومة الإسلامية-حماس تقريراً عن ”الدوافع والسياقات“ التي دفعتها إلى شن هجومها المدروس بعناية على السياج الحدودي لغزة وتوغلها في جنوب إسرائيل في 7 أكتوبر 2023، وعن ”مسار الحرب على غزة“ في أعقاب ذلك. الوثيقة، التي تحمل عنوان ”روايتنا... طوفان الأقصى: عامان من الصمود وإرادة التحرير“، هي نسخة محدثة من التقرير السابق بعنوان ”هذه روايتنا.. لماذا طوفان الأقصى“ الذي نُشر في كانون الأول/يناير 2024.
تضع كلا الوثيقتين هجوم 7 أكتوبر في سياق المسار التاريخي لسلب الفلسطينيين أرضهم وإخضاعهم للاحتلال العسكري والعنف الإسرائيلييْن منذ عام 1948، وفي سياق السكون والتواطؤ الدولييْن في ترك الفلسطينيين لمصيرهم في مواجهة الاستيطان والحصار المستمريْن في الأراضي المحتلة عام 1967 ومنذ اتفاق أوسلو عام 1993. ومع ذلك، لا تقدم الرواية الكثير من الجديد، لا سيما فيما يتعلق بما سعت حماس حقًا إلى تحقيقه أو توقعت تحقيقه من خلال عملية ”طوفان الأقصى“. وهذا هو أكثر ما يبرز في كلا الوثيقتين: فهما تتجنبان تمامًا السؤال عن الأهداف الملموسة لـ ”طوفان الأقصى“، والافتراضات المحددة التي استندت إليها.
ما الذي سعى إليه أو توقع حدوثه حقًا المخططان العسكريان الرئيسان لـ 7 أكتوبر، يحيى السنوار ومحمد الضيف، من حيث تحقيق مكاسب ملموسة - مادية وسياسية - لمواطني غزة، إن لم يكن للفلسطينيين في بقية الأراضي المحتلة أو في الشتات؟ من هنا تنشأ أسئلة أخرى حول كيفية تخطيطهم لتشكيل، إن لم يكن التحكم في، مسار الأحداث اللاحقة - هل اكتفوا بفكرة الاعتماد على احتجاز عدد كبير من الرهائن الإسرائيليين لاحتواء التداعيات العسكرية الحتمية؟ وإلى أي مدى قاموا بتقييم سياسي هادف من أجل توقع ردود الفعل المحتملة ليس فقط من إسرائيل، ولكن أيضًا من الفلسطينيين الآخرين والجمهور العربي والحكومات العربية، وبنفس القدر من الأهمية، من الدول الغربية الرئيسة؟ بعبارة أخرى، هل كان هناك أي شيء آخر غير الاعتبارات التكتيكية والعوامل الفنية البحتة التي شكلت خططهم العسكرية؟
هذه الأسئلة وجيهة لأن هجوم حماس في 7 أكتوبر لم يكن انتفاضة مفاجئة وعفوية، بل كان ثمرة عامين من التحضير المنهجي. فمن المفهوم أن يكون للانتفاضة دوافع عاطفية وأغراض غير واضحة وأشكال غير مكتملة، لكن ”طوفان الأقصى“ أثار إعجاباً واسعاً لأنه كان عكس ذلك تماماً: فقد تم التخطيط له وتنسيقه عملياتياً بدقة متناهية. ومع ذلك، فقد علّقت حماس، ومعها أيضًا الكثيرون الآخرون، أهمية كبرى على تصوير 7 أكتوبر حصراً على أنه تعبير جوهري وشامل عن المقاومة للظلم والمحو، بدلاً منه عملية عسكرية تهدف إلى تحقيق أهداف محددة وملموسة أو تحقيق نتائج عملية في الوقت الحاضر وليس فقط البعيد.
تكمن مفارقة في هذا، نظراً إلى أن محمد الضيف نفسه كان أكثر تحديدًا بكثير حيال الأهداف في بثه في 7 أكتوبر 2023، حيث وصف ”طوفان الأقصى“ بأنه وسيلة لوقف السياسات الإسرائيلية الحالية ومحفز مباشر لانتفاضة فلسطينية في الأراضي المحتلة وفي إسرائيل ولزحف جميع «القوى [والدول] العربية والإسلامية... لكنس هذا الاحتلال من مقدساتنا وأرضنا». بالتأكيد، كانت هذه الأهداف طموحة للغاية من حيث الحجم والشمولية لدرجة أنها كانت بعيدًا عن الإنجاز في الواقع - إذ شكّلت قائمة من التطورات المأمولة التي من شأنها أن تشكل ”طوفاناً“ أوسع بكثير من هجوم 7 أكتوبر - ولكن كان الضيف مع ذلك صريحًا ومحددًا، وبهذا المعنى كانت أهدافه ملموسة.
في المقابل، فإن الرواية الرسمية لحماس عن ”طوفان الأقصى“ تجعل أهدافها غامضة تمامًا. لأكثر من عامين منذ هجوم 7 أكتوبر، أدى القبول الشائع لهذا التجريد إلى تعطيل المناقشة اللازمة حول ما كان يهدف إلى تحقيقه من العملية، وأخفى مسألة ما إذا كانت قد حققت الأهداف التي كان يهدف إليها مخططوها أم لا، وبالتالي تجنب مسألة المسؤولية التي يجب أن تتحملها حماس عما حدث خلال ذلك اليوم المصيري وعن نتائجه اللاحقة. ويشمل هذا ذلك مسألة إلحاق الأذى بالمدنيين وغير المقاتلين في جنوب إسرائيل في 7 أكتوبر 2023، على الرغم من أن هذه المسألة أيضاً تتطلب معالجتها بصراحة في أي نقاش حول ما فعلته حماس وما أغفلته، بل والأهم من ذلك، في النقاش حول استراتيجية التحرر الفلسطيني قادماً.
منذ ذلك الحين، انحاز الكثيرون إلى فكرة أن المقاومة حق مطلق وبالتالي لا تقبل النقاش، مما أدى إلى استباق انتقاد حماس، ناهيك عن انتقاد عملية 7 أكتوبر. إن تجريد حماس من كونها تنظيم له تجسيد بشري مادي، الذي يحدث عندما تقوم هي نفسها وحيّز كبير من الجمهور بتحويلها خطابياً إلى ”المقاومة“، وهو مصطلح يرتبط ارتباطاً وثيقاً بعقيدتها الخاصة بـ”المقاومة المسلحة“، يجعل السياسة الفلسطينية تنفصل عن العالم الحقيقي، وبالتالي يمنع تعلم الدروس كما والتغيير الملموس. وللعودة عن هذا الوضع، لا بد من محاسبة الفاعلين السياسيين، ولا سيما حماس وخصمها فتح، على أساس أهداف قابلة للقياس ومعلنة وبرامج عملية وسلوكيات ملموسة ومعايير محددة. ولذلك، فإن السياسة الفلسطينية الجديدة القابلة للتطبيق يجب أن تبدأ برواية أكثر صدقاً لأحداث 7 أكتوبر.


مراحب يزيد، شكرا على مقالك الأخير. بتفق معك، بعتقد بكل شي. غياب الوجهة هي المشكلة الأكبر، برأيي، بمجتمعاتنا. ومثلما قلت انه مناخبى ورا شعارات مثل الحق بالمقاومة لنخفي ضياعنا. بس المقاومة أصلا أداة، الحق فيها وممارسة هالحق مش بديل عن تحديد الهدف، المشروع يلي منسعى لفرضه. بتمنى نناقش الموضوع أكثر إذا بتحب.