نتنياهو ينتقي صفحة من كتاب الأسد
شكل جديد من أشكال عسكرة السياسة والمجتمع الإسرائيلي يذكرنا بالطريقة التي بنى بها الديكتاتور حافظ الأسد حكمه الاستبدادي في سورية
للغة الإنكليزية:
Read in English →
---
لم يعد من الغريب القول إن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يأخذ إسرائيل نحو الحكم الاستبدادي. ففي كلمة ألقاها في مؤتمر حديث حول القانون العام والديمقراطية، حذّر رئيس المحكمة العليا الإسرائيلية السابق أهارون باراك من أن استيلاء نتنياهو على الحكومة، واستيلاء الحكومة على الكنيست، قد دفعا البلاد إلى “قاع المنحدر، لتصبح نظاماً استبدادياً يحكمه فرد واحد.” وقد جدّدت الحكومة جهودها لتمرير الإصلاحات القضائية، وفي الوقت نفسه أقالت كبيرة المستشارين القانونيين للجيش وشنّت حملة ضد المدعي العام. كما تقوم بمحاولة متعمدة لفرض سلطات واسعة على التلفزيون والراديو، ولتشديد القيود على منظمات المجتمع المدني، بينما تضخ مزيداً من النفوذ والموارد للمستوطنين في الأراضي الفلسطينية المحتلة ولمؤسسات الحاخامية. يصف رئيس تحرير صحيفة هآرتس ألوف بن ذلك بأنه تقدّم نحو الاستبداد الثيوقراطي (الديني).
هذه الآراء مقنعة، لكنها تتجاهل مدى مركزية خوض الحرب في عملية التحول الاستبدادي في إسرائيل. فهذا يتجاوز ما يراه كثيرون، وبحق، كصلة بين سعي نتنياهو المحموم لضمان بقائه السياسي وبين اهتمامه بإطالة أمد الحرب في غزة. نظرياً، لو منح الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ العفو الذي طلبه نتنياهو بشأن التهم الموجهة إليه في المحكمة، فلن يبقى رئيس الوزراء رهينة لشركائه في الائتلاف اليميني المتطرف، إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش. ولكن هذا ليس ما يمنعه من اتباع مسار مختلف، وإنهاء العمليات القتالية المتواصلة والاقتحامات في غزة ولبنان وسوريا بشكل خاص. تقول قوة الأمم المتحدة لحفظ السلام أن إسرائيل قد خرقت وقف إطلاق النار الذي عقدته مع لبنان أكثر من 10,000 مرّة في عامه الأول وخرقته 500 مرّة في غزة خلال ستة أسابيع بعد بدء وقف إطلاق النار هناك، إضافة إلى اقتحامات وتوغّلات مستمرة في جنوب سورية حتى أثناء التفاوض على اتفاق أمني.
يمكن تفسير الكثير من هذا النشاط العسكري المفرط على أنه محاولة من إسرائيل لاستغلال غلبتها في كل جبهة، من خلال تعظيم الضغط العسكري لإجبار الخصوم على الرضوخ لمطالبها. ومن خلال رفع سقف التوتر باستمرار، يسعى نتنياهو أيضاً إلى منع الضغوط التي تدعو إلى التوصل لوقف دائم لإطلاق النار، من شأنه أن يمهد الطريق لحلول سياسية دائمة وترتيبات أمنية على مختلف هذه الجبهات—وفي الوقت نفسه انتزاع المزيد من التنازلات من الإدارة الأميركية في كل مرحلة.
ولكن رغم أن هذا النشاط العسكري لا يصل غالباً إلى حد الحرب الشاملة، فإن طابعه المفتوح يجعل منه شكلاً جديداً من عسكرة السياسة والمجتمع في إسرائيل، يشبه إلى حد كبير الطريقة التي بنى بها الديكتاتور حافظ الأسد الحكم الاستبدادي في سورية. فالجيش السوري نادراً ما خاض حرباً، ولكن كما كتب فولكر بيرتس بشكل مقنع، أعاد الأسد تشكيل سورية عبر الاستعداد الدائم للحرب، ما أتاح له إجراء تحوّلات عميقة في المجتمع والدولة.
قد يقول كثيرون إن إسرائيل كانت في حالة استعداد للحرب طوال وجودها، سواء لأنها دولة عسكرية توسعية أو لأنها كانت دائماً تواجه تهديدات وجودية. لكن هناك فرقاً جوهرياً اليوم. كما جادلتُ في مكان آخر، فإن التسوية السياسية الداخلية التي مكّنت من إقامة إسرائيل عام 1948 لم تعد قائمة. أما اليوم، فلم تتشكل بعد تسوية سياسية جديدة، ولكن تأكيد نتنياهو على الحرب بصفتها المحرِّك المركزي للسياسة الإسرائيلية، مقروناً بصعود اليمين المتدين والقومي المتطرف، يماثل تماماً ما فعله الأسد في بلده.

