حدود وتحديات السياسة الخارجية السعودية
سيكون من الصعب تعميق وترسيخ النجاحات السعودية الأولية في إضعاف الحملة الإقليمية للإمارات العربية المتحدة، ولكن ما لم يتم ذلك، فمن المحتمل ألا تدوم هذه النجاحات
للغة الإنكليزية:
Read in English →
تتصاعد التوترات بين قيادتي المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة منذ سنوات، لكن السرعة الفائقة التي انهارت بها العلاقة بينهما مؤخراً وشدة رد الفعل السعودي جاءت مفاجئة للكثيرين. وقد صدرت تعليقات كثيرة ثاقبة حول أسباب هذا الانقطاع وحدة رد الفعل. على سبيل المثال، يلاحظ سلطان العامر أن القيادة السعودية تبنت ”سياسة إقليمية محايدة وتوفيقية“ منذ عام 2019 فصاعدًا، لكنه يرى أن السعودية قد لا تكون قادرة بعد الآن على ”الاستمرار في عزل نفسها عن الحروب الاختيارية“ التي يفرضها عليها ”محور الإمارات العربية المتحدة وإسرائيل،“ مما يجبر المملكة على ”اتخاذ موقف أكثر قوة“. يصف هشام هلير الفرق بين البلدين الخليجيين بأن ”السعودية تختار التوحيد والضبط الذاتي والعزل عن التهديدات. في حين تفضل الإمارات العربية المتحدة التحول والتدخل المبكر“.
يقدم كلا التحليلين، والعديد من التحليلات المماثلة، المملكة العربية السعودية على أنها تستجيب لما تعتبره تدخلاً إماراتياً ودعماً للقوى الانفصالية في دول ساحل البحر الأحمر وما وراءها، ولا سيما في ليبيا والجزائر وسوريا. وهذا يطرح سؤالين مهمين. أولاً، هل تمتلك السعودية الوسائل اللازمة لعكس تقدم الإمارات في المنطقة ولتحقيق النتائج التي تفضلها هي؟ وثانياً، ما هي خيارات المملكة إذا كانت تفتقر إلى الوسائل، أو كانت ببساطة غير راغبة في دفع ثمن استخدامها؟
لقد واجهت السعودية بالفعل الإمارات العربية المتحدة بتدابير عملية كانت غير واردة في الحسبان حتى وقت قريب جداً. والأمر الأكثر دراماتيكية هو أنها أجبرت الإمارات على التراجع الكامل في جنوب اليمن والانسحاب من الجزر المجاورة التي أقامت فيها الإمارات منشآت عسكرية. وأغلقت المملكة مجالها الجوي أمام الرحلات الإماراتية التي تنقل الأسلحة إلى قوات الدعم السريع المدعومة من الإمارات في السودان، وفي الوقت نفسه ضغطت على حليف الإمارات خليفة حفتر لكي يمنع استخدام قاعدة كفرة الجوية في شرق ليبيا لتزويد قوات الدعم السريع. وبالتوازي، اقتربت السعودية من الحكومة الاتحادية الصومالية وتركيا، وتقوم بتنسيق الدعم التركي والمصري للقوات المسلحة السودانية، فضلاً عن شراء طائرات مقاتلة باكستانية لصالحها.
ولكن هل يمكن للمملكة واقعياً أن تذهب إلى أبعد من ذلك، سواء لهزيمة استراتيجية الإمارات في المنطقة، أو احتوائه؟ يُعتقد أن إعادة تعمير الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً والمدعومة من السعودية يتطلب أكثر من مليار دولار سنوياً لدفع الرواتب وحدها، وهذه ليست سوى أبسط التكاليف التي يتطلبها البلد. أما في الجانب الآخر من البحر الأحمر، فإن التحالف مع الحكومة الاتحادية الصومالية قد يبدو مفيداً، لكن مقديشو بالكاد تسيطر على أراضيها في مواجهة تهديد حركة الشباب. إن خفض مستويات العنف في الحرب الأهلية السودانية، ناهيك عن إنهائها، سيتطلب استثمارًا هائلاً ومستدامًا، ماليا وعسكريا، لا سيما إذا أرادت المملكة بعد ذلك توحيد وإعادة بناء الدولة السودانية. أما إثيوبيا وإريتريا، اللتان تقفان الآن على طرفي نقيض من الانقسام الإماراتي-السعودي، فهما على شفا حرب أخرى بدأت بالفعل في جذب القوى المتنافسة في الصومال والسودان. أما مصر، التي انحازت إلى جانب السعودية فيما يتعلق بالحفاظ على سلطة الدولة المركزية وسلامة الأراضي في بلدان المنطقة، فهي تعتمد كلياً على ضخ رؤوس أموال أجنبية ضخمة، وهو ما كانت الإمارات، وليس السعودية، مستعدة لتوفيره حتى الآن.
تواجه القيادة السعودية تحديين سياسيين إضافيين.
أولاً، كما ذكرت في مقال سابق، سيواصل الحلفاء المحليون لكل من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة السعي لتحقيق أجنداتهم الخاصة، مما قد يعطل أجندات القوتين الخليجيتين ويزيد من تكاليفهما. وينطبق هذا أيضاً على مصر، فرغم تحالفها مع السعودية فيما يتعلق بالسودان وليبيا والقرن الأفريقي، يسعي الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى ”تعزيز العلاقات الثنائية“ مع أبو ظبي وجذب المزيد من الاستثمارات الإماراتية. علاوة على ذلك، امتنعت مصر عن نشر القوات العسكرية التي تعهدت بها إلى بعثة الاستقرار التابعة للاتحاد الأفريقي كجزء من اتفاقها الدفاعي مع الصومال في عام 2024، مما ترك للسعودية فجوة أكبر لتملأها هناك.
التحدي الثاني الذي يواجه السياسة الخارجية السعودية هو الحاجة إلى تحقيق التوازن بين التنافس النشط مع الإمارات العربية المتحدة من ناحية، والحفاظ على أهداف السياسة الخارجية الأخرى من ناحية أخرى. لذلك، على الرغم من أن القيادة السعودية حققت نجاحًا مهمًا في إجبار الإمارات على الانسحاب من اليمن وتهميش المجلس الانتقالي الجنوبي المؤيد للاستقلال والمدعوم من الإمارات، إلا أنها لا تزال غير راغبة في قبول حكم الحوثيين في شمال اليمن، ولا تزال غير قادرة على تحقيق أي نتيجة بديلة بمفردها. وبالمثل، حتى مع تحالفها ضد الإمارات العربية المتحدة (وإسرائيل) في صوماليلاند، فإن الأمن البحري حول باب المندب، الذي يهم السعودية بشكل مباشر، يتطلب دوراً لخفر السواحل التابع لحكومة صوماليلاند (وقوات الشرطة في بونتلاند)، كما تقول إليونورا أرديماني.
ومن المفارقات أن تكلفة الحفاظ على نهج الإمارات العربية المتحدة في المنطقة أقل بكثير، نسبياً. فخسارة موقعها في جنوب اليمن لا تقلل بشكل قاتل من نفوذها الاستراتيجي ونفوذها في حوض البحر الأحمر والقرن الأفريقي، ولا تقوض قيمة شبكة مرافقها واستثماراتها الاقتصادية الأخرى. علاوة على ذلك، يمكنها مضاعفة جهودها في القرن الأفريقي والسودان وليبيا بتكلفة متواضعة نسبياً، لأن الجهات الفاعلة المحلية لديها أجنداتها الخاصة وتستثمر مواردها الخاصة في مواصلة قتالها. على سبيل المثال، من المحتمل أن الإمارات العربية المتحدة زودت قوات الدعم السريع السودانية بأنظمة تشويش على الطائرات بدون طيار وأنظمة صواريخ أرض-جو لمواجهة هجمات الطائرات بدون طيار التركية المتمركزة في مصر. وحتى في الوقت الذي سعت فيه السعودية، حسب ما ورد، إلى إبرام معاهدة دفاع مشترك مع باكستان وتركيا، أبدت الإمارات العربية المتحدة نيتها إبرام اتفاق مماثل مع الهند الحائزة أيضاً للأسلحة النووية.
والنتيجة هي أنه سيكون من الصعب تعميق وترسيخ النجاحات السعودية الأولية في إضعاف حملة الإمارات العربية المتحدة الإقليمية. ولكن ما لم يتم ذلك، فمن المحتمل ألا تدوم هذه النجاحات. ويرى حسين أبو بكر منصور أن ”الإمارات العربية المتحدة وإسرائيل يمكنهما معاً إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية الإقليمية على الرغم من اعتراضات السعودية، مما يكشف حدود حق النقض الذي تتمتع به الرياض في الممر الأقرب إلى المصالح الاستراتيجية السعودية“. قد يكون إظهار العزم السعودي حتى الآن كافياً للتوصل إلى تهدئة متبادلة مع الإمارات العربية المتحدة، ولكن إذا لم يكن الأمر كذلك، فستجد المملكة نفسها مجبرة على الاختيار بين التنازل من جهة، وبين تحمل العواقب على أمنها القومي من جهة أخرى، ما يعني تحمل تكاليف الدفاع عن مصالحها من خلال اتخاذ إجراءات أكثر شدة. وإذا كانت مواجهة الإمارات العربية المتحدة في جميع أنحاء المنطقة تنطوي على الكثير من المخاطر والتكاليف، فهل تختار القيادة السعودية بدلاً من ذلك أن تجعل الإمارات العربية المتحدة تتحمل العواقب بشكل أكثر مباشرة، باعتبار ذلك الخيار الأقل كلفة والأكثر فعالية؟


شكراً على التعليق. المعلومة جاءت (كما هو واضح من الرابط) من تقرير مطوّل للمعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية في لندن، وكانت صحيحة على ما يبدو حتى البارحة
لقد صدر خبر اليوم فقط يشير إلى أن قوة مصرية تستعد للذهاب إلى الصومال
طبعاً شيء إيجابي أن تساهم في تثبيت أمن واستقرار الصومال
امتنعت مصر عن نشر القوات العسكرية التي تعهدت بها إلى بعثة الاستقرار التابعة للاتحاد الأفريقي كجزء من اتفاقها الدفاعي مع الصومال في عام 2024، مما ترك للسعودية فجوة أكبر لتملأها هناك.
غير صحيح